« اتحاد العمال والاستفتاء | HomePage | غافلون ام ........... ؟ »

06/08/2005

عمق الأزمة


  
 

ما من أحد يدرك عمق الأزمة. أن يكون ثمن فنجان القهوة في أحقر مقهى في وسط البلد أزمة لا يمكن تخطيها

 

فلا تقولي لي ، أنه لا يوجد خطأ في مكان ما..


 

هكذا قال لي صديقي شاعر العامية المخلص جدا لإنسانيته. ومنذ تلك اللحظة وأنا أتساءل بيني وبين نفسي

 

هل ينبقي دائما أن تركب السياسية على الأدب؟ وهل ينبغي أن تنبع أي ثورة من منابع الفقر؟

 

 ثم إن هناك شيء أفظع ، وهو أن تلك القهوة التي يتحدث عنها صديقي، بنها مغشوش أصلاً،

 

فهل ينبغي من البداية أن أدفع ثمن غش أصحاب المقهى لي، وكأنها خدمة يقدمونها لي مقابل ثمن ما ينبغي أن

 

أدفعه؟


 

اليوم تذكرت كلمة صديقي هذا بينما أجلس في الطابق الأعلى لحزب التجمع في ميدان طلعت حرب

 

 أنظر من النافذة الألوميتال الى سيارات الشرطة المتكدسة على رصيف جروبي ثلاثة صفوف وأقول لصديقي

 

الفنان التشكيلي الذي اصطحبني إلى الحزب: ألا يعتبر هذا إشغالا للطريق؟ دول راكنين صف تالت يعني!

 

المفروض نبلغ عنهم شرطة المرور..


 

صديقي الفنان التشكيلي "المستقل"، المنضم إلى حزب التجمع، وأصدقائه في الحزب الذين ذهبنا لزيارتهم قبل

 

المظاهرة بساعة، لم يضحكوا.. نظروا لي وكأنني أقول شيئاً بائخاً جداً.. ثم أخذوا يتحدثون عن أهمية عدم

 

اشتراك الحزب في ترشيحات الرئاسة، وعن أهمية تفعيل دور الحزب في دعم الحركات السياسية المستقلة..

 

لكنني لست هنا  أكتب لأتحدث عن هذه الأشياء، فهي بالنسبة لي طارئة وليست أساسية ذلك لأنني ذهبت من

 

صديقي الفنان التشكيلي إلى حزب التجمع كنوع من أنواع المجاملة ورغبة مني في رؤية منظر الشارع المكدس

 

بسيارات الأمن المصفحة من طابق علوي .

 

كنت أريد أن أرى المنظر كاملاً..


 

في مقهى الحرية بباب اللوق، كنت أجلس ذلك الصباح ذاته، عندما دخل 12 فرد يرتدون ملابس "مدنية" ويبدو

 

أنهم منقسمين بين لاعبي كاراتيه ولاعبي بوكس أو ما شابه.. أنا أذهب إلى مقهى الحرية كل يوم تقريبا

 

 وهذه هي أول مرة أراهم فيها.. دخلوا جميعا معاً، وبنظرة يبدو عليها إنهم مستعدين لتكسير المقهى لو اعترض

 

على وجودهم أحد .

 

دخل عليهم "وليم" القهوجي وسألهم : تشربوا حاجة يا بهوات ؟ المشاريب علينا طبعاً .

 

فرد وحد منهم 6 ببس و6 فيروز" فرد عليه وليم بتذاكي وهو يرمي لي نظرة جانبية كأنما يريد أن يحذرني منهم

 

عالماً بأنني قد لا أنتبه من تلقاء نفسي: "الباشا شكله مش غريب، ألا هو الاسم إيه؟"


 

كنت ساعتها أفكر في فؤاد عبد المجيد، هذا المتصوف الفنان.. وكانت على لساني أحد مقاطع أغانيه التي يكللها

 

صوته الهامس بروح من التواضع والمحبة: "نحن في بحر نعاني، كل صب في اتجاه، ليلنا وجدا نغني، كل شادٍ

 

ما شجاه"


 

أنا أيضا كنت أغني ساعتها بصوت هامس، بينما أنظر إلى القهوة المغشوشة المقدمة لي، والتي أتيت خصيصاً

 

لشربها، وأنا أعرف: سيأتي أحد الأصدقاء حتماً، وسيدفع لي ثمنها. بينما أحدثه عن الجمال المعماري لمنطقة

 

 ميدان طلعت حرب (سليمان باشا سابقاً) ذلك الجمال الذي تغطيه اللافتات النيون الفاقعة والتراب والسيارات

 

المصفحة التي لم تأخذ من الزيتون سوى لونه، وعساكر الأمن المركزي المحشورون بداخلها كأسود رومانية

 

تم تجويعها عمداً لتنتظر لحظة إطلاقها في حلبة المسرح .
 

   هدى حسين

The comments are closed.